يستقطب العراق اهتماماً متزايداً من الشركات الدولية في قطاعات متعددة، من الصناعة والبنية التحتية والتجارة إلى التكنولوجيا والخدمات. وفي فبراير 2026 أعلنت الهيئة الوطنية للاستثمار عن 65 فرصة استثمارية جديدة، في مؤشر على استمرار توسيع نطاق المشروعات والقطاعات المعروضة أمام المستثمرين.
لكن قرار دخول السوق العراقي لا ينبغي أن يبدأ بسؤال: ما الفرصة المتاحة؟ فقط، بل بسؤال آخر لا يقل أهمية: ما المسار القانوني الأنسب لتنفيذ المشروع؟
فطبيعة النشاط، والقطاع، وحجم المشروع، وطريقة ممارسة الأعمال، كلها قد تغير المتطلبات القانونية والإجرائية. وقبل اتخاذ قرار الدخول، ينبغي للشركة الدولية أن تحسم خمسة أسئلة أساسية.
1. ما الشكل القانوني المناسب لوجودنا في العراق؟
لا يوجد نموذج واحد يناسب جميع الشركات. فقد يتطلب المشروع تأسيس كيان عراقي، أو تسجيل فرع للشركة الأجنبية، بينما يمكن أن تقوم بعض الأنشطة على ترتيبات تجارية أو تعاقدية مختلفة بحسب طبيعة العمل.
ويخضع تسجيل فروع الشركات الأجنبية في العراق لنظام فروع الشركات الأجنبية رقم (2) لسنة 2017 المعدل. وتبين دائرة تسجيل الشركات أن فتح الفرع يتطلب، من بين أمور أخرى، وثائق تأسيس الشركة الأم، وشهادة تأسيسها، ومعلومات الإدارة والأشخاص المخولين، والحسابات الختامية، مع متطلبات الترجمة والتصديق، كما تشترط أن يكون قد مضى على تأسيس الشركة الأم سنة واحدة.
لذلك يجب أن يسبق اختيار الشكل القانوني تقييم لطبيعة النشاط، والعقود المتوقعة، والوجود المطلوب داخل العراق، ومتطلبات القطاع.
2. هل يحتاج المشروع إلى إجازة استثمارية؟
تسجيل شركة أو فرع لا يعني تلقائياً الحصول على إجازة استثمار؛ فهما مساران قانونيان مختلفان.
قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006 المعدل، ومنه التعديل الثاني بالقانون رقم (50) لسنة 2015، ينظم المشروعات الاستثمارية المشمولة بأحكامه وما يرتبط بها من ضمانات ومزايا. ويبين دليل المستثمر الرسمي أن نطاق القانون لا يشمل الاستثمار في إنتاج واستخراج النفط والغاز الطبيعي أو قطاعي المصارف والتأمين، وأن الحد الأدنى لرأس مال المشروع المشمول وفق الدليل هو 250 ألف دولار أمريكي أو ما يعادله.
أما الحصول على الإجازة الاستثمارية فيمر عبر الهيئة الوطنية للاستثمار أو هيئة الاستثمار المختصة، ويستلزم بحسب الإجراءات المنشورة تقديم معلومات عن المشروع، ودراسة جدوى، ودليلاً على الكفاءة المالية، وجدولاً زمنياً، وغيرها من الوثائق المطلوبة.
ومن ثم يجب تحديد منذ البداية: هل المشروع مجرد نشاط تجاري يحتاج إلى تسجيل وترخيص، أم أنه مشروع استثماري مؤهل لمسار الإجازة الاستثمارية؟
3. ما الموافقات والتراخيص الخاصة بقطاعنا؟
لا يكفي تحديد الشكل القانوني للشركة. فمتطلبات شركة صناعية قد تختلف عن شركة تقنية أو إنشائية أو صحية أو غيرها.
وتوضح الهيئة الوطنية للاستثمار أن دائرة النافذة الواحدة تتواصل مع الوزارات والجهات القطاعية ذات العلاقة لاستحصال الموافقات اللازمة في إطار إجراءات الإجازة الاستثمارية. وهذا يؤكد أن المسار التنظيمي يعتمد على طبيعة المشروع والقطاع، وليس على تسجيل الكيان القانوني وحده.
لذلك ينبغي تحديد الجهات المختصة والتراخيص والموافقات المطلوبة قبل بدء التنفيذ أو الالتزام باستثمارات جوهرية.
4. هل تم فحص الشريك أو الموزع أو الطرف العراقي قبل التعاقد؟
عندما يعتمد دخول السوق على شريك محلي أو موزع أو متعاقد عراقي، فإن فحص الطرف المقابل يصبح جزءاً مهماً من إدارة المخاطر القانونية.
وتتيح دائرة تسجيل الشركات أدوات رسمية للتحقق من وجود الكيانات القانونية وقرارات التسجيل، وقد دعت الجهات إلى الاعتماد على نافذة الاستعلام عن الشركات والنشرة اليومية الصادرة عنها للتحقق من الكيانات المسجلة.
لكن التحقق من وجود الشركة ليس سوى البداية. وينبغي أن يتناسب نطاق الفحص القانوني مع الصفقة، بما يشمل عند الحاجة صلاحية ممثلي الشركة، ووضعها القانوني، والتراخيص ذات الصلة، وبنية العلاقة التعاقدية، والالتزامات والمسؤوليات وآليات إنهاء العلاقة وتسوية النزاعات.
5. ما الالتزامات التي تبدأ بعد دخول السوق؟
الدخول القانوني إلى العراق ليس نهاية المسار. فالعمل المستمر قد يرتب التزامات تتعلق بالضرائب، والحسابات، وتحديث بيانات الشركة أو الفرع، والتراخيص والتجديدات، والعقود، والعمالة، وغيرها بحسب النشاط.
وعلى سبيل المثال، توضح الهيئة العامة للضرائب أن الشركات الأجنبية المسجلة في العراق أو التي لديها منشأة دائمة فيه تخضع للضريبة عن الدخل المتحقق في العراق. وتبين الهيئة أن النسبة العامة الواردة لديها للأنشطة الأخرى هي 15%، بينما تخضع الأنشطة المشمولة بقانون رقم (19) لسنة 2010 الخاص بشركات النفط الأجنبية والعقود المرتبطة بها لنسبة 35%، مع مراعاة ما قد ينطبق من إعفاءات قانونية على المشروعات الاستثمارية المؤهلة.
السؤال الأهم بالنسبة للشركة الدولية ليس فقط: هل نستطيع العمل في العراق؟ بل:
ما المسار القانوني الذي يتناسب مع نشاطنا، وقطاعنا، وطريقة دخولنا، ومستوى المخاطر الذي نحن مستعدون لتحمله؟
ولهذا يمكن أن يكون التقييم القانوني المسبق خطوة عملية قبل التسجيل أو توقيع العقود أو تخصيص ميزانية التنفيذ؛ إذ يساعد على تحديد الشكل القانوني، والمتطلبات الأساسية، والموافقات المحتملة، والمخاطر، والخطوات التالية.
تخطط شركتكم لدخول السوق العراقي أو توسيع نشاطها فيه؟
يمكن البدء بتقييم قانوني منظم يحدد المسار المناسب للمشروع قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
ملاحظة: يقدم هذا المقال معلومات عامة وفق المصادر الرسمية المتاحة وقت النشر، ولا يمثل رأياً قانونياً بشأن مشروع أو حالة محددة.